.ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وشـــايـــة
أنطون
تشيكوف
(
سيرجى كابيتونيتش أهينيف ) , أستاذ الخط , كان يزوج
ابنته إلى أستاذ التاريخ والجغرافيا . مهرجانات الزفاف كانت تسلك السبيل المتوقع
بنجاح تام . بداخل غرفة الرسم كانوا يغنون , ويلعبون , ويرقصون . النُدَّل
المأجورون من النادى كانوا يهرعون بحيرة وذهول هنا وهناك حول الغرف , لابسين سترات
سوداء مشقوق ذيلها وأربطة عنق بيضاء بياضاً باهتاً
.
كان هناك صخب مستمر وضجيج حديث
,
كان أستاذ الرياضيات وأستاذ اللغة الفرنسية ومخمن الضرائب الأدنى يتكلمون بسرعة
جالسين جنباً إلى جنب على الأريكة , وغير ذلك يعترضون على من حولهم , بوصفهم لأحوال
الضيوف بأنهم أشخاص يُدفنون أحياءاً ! , ويقدمون آراءهم فى الروحانية , لا واحد
منهم كان يؤمن بالروحانية , ولكنهم وافقوا جميعاً على أن هناك العديد من الأشياء فى
هذا العالم التى دائماً ما تكون وراء العقل البشرى . بداخل الحجرة الأخرى كان أستاذ
الأدب يشرح للزائرين الأحوال والظروف فى مسألة حق الحارس فى التعدى على عابرين
السبيل
.
الموضوعات المطروحة على حد الفهم والإدراك كانت موضوعات شائكة ومثيرة
للهجوم , إلا أنها كانت مقبولة للغاية لدى الجميع
.
فى تمام منتصف الليل
اتجه مالك البيت إلى المطبخ ليرى هل كل شىء قد جهز للعشاء . المطبخ كان مليئاً من
الأرض وحتى السقف بأدخنة ناشئة من إوزة وبطة , وكثير من الأشياء المطبوخة الأخرى
.
وعلى منضدتين كانت الكماليات .. المشروبات , أضواء منعشة موضوعة فى مظهر فوضوى فنى
.
الطباخة ( مارفا ) , امرأة ذات وجه أحمر اللون , بنية جسمها كان كالبرميل بحزام
من حوله , كانت مسرعة باهتياج بشأن المناضد
.
قال ( أهينيف ) وهو يحك يديه
ببعضهما البعض , ويلعق شفتيه
:
"
أرينى السمكة الكبيرة ذات الكافيار يا ( مارفا
) "
واستطرد : " يالها من رائحة ! , أنا بهذا يمكننى أن أأكل المطبخ بأكمله . هيا
,
أرينى السمكة
"
ذهبت ( مارفا ) إلى أحد الموائد , وبحذر , رفعت قطعة من
جريدة مشحمة . تحت الورقة وعلى صحن هائل , كانت ترقد سمكة ضخمة , مطلية بالهُلام
ومُزينة ببراعم ( الكَبَر ) الخضراء المخللة , والزيتون , والجزر
.
(
أهينيف
)
حدق النظر إلى السمكة ولهث . أشع وجهه بابتسامة بهيجة . وأعاد نظره إلى فوق
.
فانحنى لأسفل , وبشفتيه أصدر صوت كصوت عجلة غير مزيتة تدور . وقبل أن يقف بدقيقة
,
طقطق أصابعه , ومرة أخرى لَمَظ شفتيه
.
فجأة جاء صوت من الغرفة المجاورة
:
"
أها ! صوت قبلة عاطفية حارة ... من ذا الذى تقبلينة بالخارج , يا ( مارفا
)
الصغيرة ؟
"
وظهر من مدخل الباب المدرس المساعد ( فانكن
)
"
من هو ؟ .. آه
! ...
إنى سعيد لمقابلتك ! يا ( سيرجى كابيتونيتش ) ! , يجب على أن أقول أنك جد رائع
رفيع
! "
قال ( أهينيف ) بارتباك
:
- "
أنا لا أُقَبِّل , من قال لك ذلك
يا أحمق ؟ , إنى فقط كنت ألمظ شفتاى .. بشأن .. إظهار وتبيين دلالة عن ... ابتهاجي
بلذة .. النظر إلى السمكة
"
- "
قل هذا لأحد غيرى " , وتلاشى الوجه الفضولى
لـ (فانكن ) , وتبدل بابتسامة عريضة ساخرة
.
شاع الدم فى وجه ( أهينيف
)
وقال فى نفسه
:
"
توقف ! , هذا الحقير سيذهب الآن ويصطنع فضيحة . سيلحق بى خزياً
وعاراً أمام كل المدينة , هذا الحيوان
"
ذهب ( أهينيف ) بجبن داخل غرفة
الرسم ونظر بخلسة حول المكان ليرى ( فانكن ) . ( فانكن ) كان يقف بقرب من البيانو
,
وينحنى لأسفل بتفاخر ومرح , ويهمس بشىء ما لأخت زوجة المراقب , والتى كانت تضحك
.
قال ( أهينيف ) فى نفسه
:
"
يتكلم عنى ! , اللعنة عليه ! , وهى تصدق
هذا .. تصدقه ! إنها تضحك ! .. الرحمة ! لا , لا يمكن أن أدع هذا يمر .. أنا لا
أستطيع , يجب أن أفعل شيئاً يمنع تصديق الناس له .. سأكلمهم كلهم , وسيظهر لهم على
أنه أحمق وناشر للإشاعات
"
حك ( أهينيف ) رأسه بيده , ولا زال متعصباً فى
ارتباك , وذهب إلى أستاذ اللغة الفرنسية
.
قال ( أهينيف ) للرجل الفرنسى
:
"
لقد كنت للتو فى المطبخ لأرى تجهيز طعام العشاء , أنا أعلم بأنك مولع بالسمك
,
وأنا عندى سمكة كبيرة ذات كافيار شهى , وفجأة يا رفيقى العزيز , وبدون أية مقدمات
,
وعلى بعد يارة ونصف , قال ’ ها , ها , ها ’ , و .. , بالمناسبة ... لقد نسيت
...
فى المطبخ منذ قليل , ومع تلك السمكة الكبيرة .. هناك قصة صغيرة ! لقد ذهبت إلى
المطبخ قبل الآن بالضبط , وأردت أن أنظر إلى أطباق العشاء . نظرت إلى السمكة ولمظت
شفتاى فى تلذذ .. ولحدة الصوت , جاء فى تلك الدقيقة هذا الأحمق ( فانكن ) وقال
...’
ها , ها , ها
...
إذن أنت تقبل ( مارفا ) ’ , أقبل ( مارفا ) , الطباخة ! يا له
من شىء للتخيل , الساذج الأحمق ! تلك المرأة مكتملة السمنة بشكل غريب , وكأنها
مجموعة بهائم تجمعوا فى تكتل معاً , وهو يتكلم عن التقبيل ! هذا الشخص الشاذ
! "
"
من هو هذا الشخص الشاذ ؟
"
سأل هذا أستاذ الرياضيات وهو آت
.
قال ( أهينيف
) :
"
ها هو ذا , هناك , ( فانكن ) ! لقد ذهبت إلى المطبخ
... "
وقال قصة ( فانكن ) .. واستطرد
:
" ...
لقد أضحكنى هذا الشخص الشاذ ! إنى
لأفضل أن أُقَبِّل كلب عن أن أفعل هذا بـ (مارفا ) لو خيرتنى
"
نظر ( أهينيف
)
حوله ووجد مخمن الضرائب الأدنى
.
قال له (أهينيف
) :
"
كنا نتكلم عن
(
فانكن ) , هذا الشخص الشاذ , لقد ذهب إلى المطبخ , و وجدنى بجانب ( مارفا ) , وبدأ
يخترع كل أنواع القصص السخيفة , ويقول ’ لماذا تُقَبِّل ؟ ’ , يجب أن عقله قد سقط
منه كثيراً , وقد قلت ’ إنى لأفضل أن أُقَبِّل ديكاً رومياً عن ( مارفا ) .. ثم إن
لدى زوجتى الخاصة بى أيها الأحمق ’ , لقد أضحكنى
! "
- "
من الذى أضحكك ؟
"
سأل هذا القسيس الذى درَّس الكتاب المقدس بالمدرسة , وهو ذاهب تجاه ( أهينيف
)
-" (
فانكن ) . لقد كنت واقفاً داخل المطبخ , حسناً , وأنظر إلى تلك السمكة
الكبيرة
.... "
وهكذا وبعد نصف ساعة تقريباً كان كل المعزومون يعلمون حادثة
السمكة و ( فانكن
) .
قال ( أهينيف ) فى نفسه وهو يحك يده باليد الأخرى
:
"
دعه يلغو الآن , دعه .. , سيبدأ فى قول قصته لهم , وسيقولون له فى الحال
, ’
كفاك هراءاً بعيد الاحتمال , أيها الأحمق , نحن نعلم كل شىء عن ذلك
! ’ "
وهنا كان ( أهينيف ) مرتاح البال للغاية , وكنتيجة لسعادته الشديدة , شرب
أربعة كؤوس مملوئين عن آخرهم . وبعد مرافقة الصغار إلى غرفهم , ذهب إلى السرير ونام
كالطفل البرىء , وفى اليوم التالى لم يعد يفكر بشأن حادثة السمكة الكبيرة . ولكن
,
وا حسرتاه ! .. أنت تريد , وأنا أريد , والله يفعل ما يريد . لسان شرير فعل فعله
الشرير , وكانت خطة ( أهينيف ) بلا فائدة
.
فقط بعد أسبوع واحد – وللدقة , فى
يوم الأربعاء بعد المحاضرة الثالثة – عندما كان ( أهينيف ) يقف عند منتصف حجرة
الأساتذة , حاملاً لتقرير عن ميل للمشاغبة لولد يُدعى ( فيسيكين ) , ذهب مدير
المدرسة لـ ( أهينيف ) وسحبه جانباً وقال له
:
"
أنظر , يا ( سيرجى
كابيتونيتش ) , يجب أن تعذرنى ... إنه ليس من شأنى , ولكن عموماً يجب أن أجعلك تدرك
الموقف , إنه من واجبى , أنظر , هناك إشاعات أنك على علاقة رومانسية مع ال
...
طباخة .. , هذا لن يضرنى شخصياً فى شىء , .. لك الحرية فى أن تغازلها , تقبلها
,
كما تشاء , ولكن لا تجعل هذه الأمور عامة وتنشرها للجميع , من فضلك , إنى أتوسل
إليك ! لا تنسى أنك مدرس مدرسى
"
(
أهينيف ) تحول إلى شخص بارد ضربه دوار
عنيف . رجع البيت كرجل ملدوغ من سِرب نحل بالكامل . كرجل محروق بماء مغلى . وأثناء
مشيه إلى المنزل , شعر بأن كل من فى المدينة ينظر إليه على أساس أنه سىء السمعة
.
وفى المنزل كانت تنتظرة مشكلة طازجة
.
سألته زوجته على العشاء
:
"
لماذا
لا تلتهم طعامك كعادتك ؟ " , واستطردت
:
"
ما الذى يشغل تأملك هكذا ؟ هل تفكر فى
شأن علاقاتك الغرامية ؟ تعلق آمالك بمحبوبتك ( مارفا ) ؟ إنى أعلم كل ما هو بشأن
هذا , أيها المسلم ! أصدقاء أخيار قد نبهونى من غفلتى ! آ ه ه ... أيها الهمجى
! "
وصفعته على وجهه . خرج من جلسة المنضدة , وهو لا يشعر بالأرض تحت قدميه
,
وبدون أن يرتدى قَلَنْسُوَّته أو معطفه , جعل طريقه إلى ( فانكن ) . و وجده بالبيت
.
وجه ( أهينيف ) كلامه لـ ( فانكن
) :
- "
أيها الوغد ! لماذا لطخت وجهى
بالطين أمام كل المدينة ؟ لماذا جعلت تلك الوشاية تنتشر عنى ؟
"
- "
أية
وشاية ؟ عن ماذا تتكلم ؟
"
-"من
الذى نشر إشاعة تقبيلى لـ ( مارفا ) ؟ أليس
هو أنت ؟ قل لى . ألم يكن أنت ؟ , أيها اللص
! "
(
فانكن ) نظر بدهشة بعينين
طارفتين , ونزع من نفسه كل رمز دال على العنف والثورة , وبدا رزيناً , وأعاد عينيه
لتنظر إلى التمثال الذى يعبده , وقال بألفاظ واضحة ومتسقة
:
"
يلعننى إلهى
!
يجعلنى أعمى ويقتلنى , إذا كنت قد قلت كلمة مفردة عنك ! من الممكن أن أُشَرَّد , أو
أُصاب بمرض أسوأ من الكوليرا لو قلت ذلك عنك
! "
إخلاص وصدق ( فانكن ) كان
غير قابل للارتياب , لقد كان من البين أنه ليس هو مخترع الوشاية
.
تساءل
(
أهينيف ) فى تعجب
:
ولكن من إذن ؟ , من ؟! " , وظل يسترجع بعقله ويمر على كل
معارفه الشخصية , ويضرب نفسه على صدره ويقول
:
"
من إذن ؟!
"
*****************************